محمد الريشهري

126

نبي الرحمة من منظار القرآن وأهل البيت

ولا تُغضِبُهُ الدُّنيا وما كانَ لَها ، فَإِذا تُعوطِيَ الحَقُّ لَم يَعرِفهُ أحَدٌ ، ولَم يَقُم لِغَضَبِهِ شَيءٌ حَتَّى يَنتَصِرَ لَهُ . وإذا أشارَ أشارَ بِكَفِّهِ كُلِّها ، وإذا تَعَجَّبَ قَلَبَها ، وإذا تَحَدَّثَ قارَبَ يَدَهُ اليُمنى مِنَ اليُسرى فَضَرَبَ بِإِبهامِهِ اليُمنى راحَةَ اليُسرى ، وإذا غَضِبَ أعرَضَ بِوَجهِهِ وأشاحَ ، وإذا فَرِحَ غَضَّ طَرفَهُ ، جُلُّ ضِحكِهِ التَّبَسُّمُ ، يَفتَرُّ عَن مِثلِ حَبِّ الغَمامِ . قالَ الحَسَنُ عليه‌السلام : فَكَتَمتُ هذَا الخَبَرَ عَنِ الحُسَينِ عليه‌السلام زَمانا ، ثُمَّ حَدَّثتُهُ فَوَجَدتُهُ قَد سَبَقَني إلَيهِ وسأَلَهُ عَمّا سَأَلتُهُ عَنهُ فَوَجَدتُهُ قَد سَأَلَ أباهُ عَن مَدخَلِ النَّبِيِّ صلى اللّه عليه وآله ومَخرَجِهِ ومجلِسِهِ وشَكلِهِ ، فَلَم يَدَع مِنهُ شَيئا . قالَ الحُسَينُ عليه‌السلام : سَأَلتُ أبي عليه‌السلام عَن مَدخَلِ رَسولِ اللّهِ صلى اللّه عليه وآله ، فَقالَ : كانَ دُخولُهُ لِنَفسِهِ مَأذونا لَهُ في ذلِكَ فَإذا أوى إلى مِنزِلِهِ جَزَّأَ دُخولَهُ ثَلاثَةَ أجزاءٍ : جُزءا للّه تَعالى ، وجُزءا لأِهلِهِ ، وجُزءا لِنَفسِهِ . ثُمَّ جَزَّأَ جُزءَهُ بَينَهُ وبَينَ النَّاسِ ، فَيَرُدُّ ذلِكَ بِالخاصَّةِ عَلَى العامَّةِ ولا يَدَّخِرُ عَنهُم مِنهُ شَيئا ، وكانَ مِن سيرَتِهِ في جُزءِ الأُمَّةِ إيثارُ أهلِ الفَضلِ بِإذنِهِ وقَسمُهُ عَلى قَدرِ فَضلِهِم فِي الدِّينِ ، فَمِنهُم ذُو الحاجَةِ ، ومِنهُم ذُو الحاجَتَينِ ، ومِنهُم ذُو الحَوائِجِ ، فَيَتَشاغَلُ ويَشغَلُهُم فيما أصلَحَهُم وأصلَحَ الأُمَّةَ مِن مَسألَتِهِ عَنهُم ، وإخبارِهِم بِالَّذي يَنبَغي ، ويَقولُ : لِيُبلِغِ الشَّاهِدُ مِنكُمُ الغائِبَ ، وأبلِغوني حاجَةَ مَن لا يَقدِرُ عَلى إبلاغِ حاجَتِهِ ، فَإِنَّهُ مَن أبلَغَ سُلطانا حاجَةَ مَن لا يَقدِرُ عَلى إبلاغِها ثَبَّتَ اللّهُ قَدَمَيهِ يَومَ القِيامَةِ ، لا يَذكُرُ عِندَهُ إلَّا ذلِكَ ، ولا يَقبَلُ مِن أحَدٍ غَيرَهُ « 1 » يَدخُلونَ رُوَّادا ، ولا يَفتَرِقونَ إلَّا عَن ذَواقٍ ، ويَخرُجونَ أدِلَّةً فُقَهاءَ . فَسَأَلتُهُ عَن مَخرَجِ رَسولِ اللّهِ صلى اللّه عليه وآله كَيفَ كانَ يَصنَعُ فيهِ ؟ فَقالَ : كانَ رَسولُ اللّهِ صلى اللّه عليه وآله يَخزُنُ لِسانَهُ إلَّا عَمَّا يَعنيهِ ، ويُؤلِفُهُم ولا يُنَفِّرُهُم ، ويُكرِمُ كَريمَ كُلِّ قَومٍ ويُوَلِّيهِ عَلَيهِم ،

--> ( 1 ) في معاني الأخبار وبحارالأنوار : " لا يُقَيِّدُ مِن أحَدٍ عَثرَةً " .